إذا كان من المنطقي أن لا يصنع البابا لاوون الرابع عشر المعجزات، إلا أنه حقق واحدة غير مقصودة خلال زيارته الى لبنان من خلال فضح "القداسة" المفتعلة، والحيثية الوهمية، لرئيس حزب مسيحي كبير ظن نفسه مطوبا غير قابل للمس. ظن انه قادر على محاصرة رئيس الجمهورية وعزله انطلاق من "بخ السموم" في عواصم القرار"، وحاول التشويش على الزيارة بهدف اظهار العهد ضعيفا غير قادر على تنظيم الزيارة، فانقلب "السحر على الساحر" ووجد نفسه معزولا عن "العرس الوطني"، بعدما اطلق العنان "بخبث" حملة سياسية واعلامية مفضوحة ردا على "بروتوكول" رسمي لم يستثنيه وحيدا في بعبدا بل غابت عنه قيادات مسيحية واسلامية، وازنة، تفهمت بطيب خاطر الاجراءات المتبعة، الا انه ابى واستكبر، واصر على "الحرد"، فغيب نفسه عن محطات لاحقة في هذه الزيارة التاريخية، وتحجج بالمخاطر الامنية، محاولا ارضاء "الايغو" المتضخمة، بالايحاء انه اهم من كل الشخصيات الرسمية الحاضرة، وفي مقدمتهم أركان الدولة الثلاثة، والبابا نفسه، ليسقط مجددا في اهم امتحان روحي، وزمني، ووطني، فكان كل لبنان تحت "عباءة" البابا، ووحده بقي خارجها.
لكن، ومع افتراض سوء النية، الم يكن يحق للرئيس جوزاف عون، ان يتجاهل حضوره في بعبدا؟ بكل راحة ضمير، يمكن القول انه فعل "عين الصواب"، ومن حقه ان يوصل رسالة الى من يعمل ليل نهار على "طعنه في الظهر"، بان "بخ السم" في واشنطن له ثمن يجب ان يدفع في بيروت. فالرئيس معني بارسال اشارات واضحة الى كل من تسول له نفسه التآمر على العهد والدولة بان خلعه البزة العسكرية لم ينزع من عقله وقلبه صلابة الموقف، وعدم التراجع امام المخاطر والصعاب، وعدم تهيب "المعركة" متى حان وقتها، كانت عسكرية بالامس، واليوم بالسياسة يخوض تجربته الوليدة بقلب مفتوح لضم كل من يبادله الثقة، ولا يمارس الغدر، اما من يريد التسلل من خلفه لمحاولة كسره واضعافه، فلن يجد الا "العين الحمراء" التي لا تنام، وتعرف جيدا كيف تحاسب من يستحق العقاب.
أما لماذا محاولة التشويش على الزيارة؟ فالجواب لا يحتاج الى الكثير من البحث والتمحيص، يدرك "الفسيدون" ان نجاح الزيارة سوف تمنح الرئيس دفعا قويا على الصعيد الداخلي والخارجي، فالحبر الاعظم لم يكن ليتشجع على وضع لبنان في مقدمة زيارته الخارجية، لولا العلاقات الممتازة التي تربطه بالرئيس عون الذي نجح خلال رحلاته الى الفاتيكان باحتلال موقع مميز في "قلب" البابا الذي تعرف عن قرب على معدن هذا الرجل، واختار زيارة لبنان، من جهة لتثبيت حضور المسيحيين في الشرق، ومن جهة اخرى لتقديم الدعم المباشر لرئيس اقنعه بصدق نواياه الايمانية و الانقاذية.
وخلال ايام ثلاث، شعر اللبنانيون انهم في بلد لم يعرفوه قبلا، ليس فقط على مستوى التنظيمي، ولا فقط على مستوى الطمأنينة التي شعر بها كل من تعامل بروح طيبة مع الحدث، وانما في منحهم الامل بوجود "مظلة" صادقة قادرة على منحهم ما يستحقونه من استقرار اذا ما تعاون معه الداخل والخارج. وفي هذا السياق، يعول الرئيس على علاقات البابا الدبلوماسية وتأثيره في العالم، وهو سيشكل دفعا معنويا وسياسيا كبيرا للموقف اللبناني الذي يمد اليد للسلام المنصف والعادل، ويريد تجنيب البلاد الحرب. وقد اثبت الرئيس عون للداخل، انه الوحيد القادر على جمع التناقضات تحت جناحه، شرط ان يكونوا في الجانب الصحيح من التاريخ.
لقد كسر رئيس الجمهورية محاولة تطويقه سياسيا، ووجه صفة مدوية لكل من تسول له نفسه التفكير في اجهاض العهد، وسجل الكثير من النقاط المضيئة بعد النجاح الهائل في تنظيم قدوم البابا، وثبت حضوره كرئيس لا يهاب شيء، ففي لحظة شديدة الخطورة حيث يهول الاحتلال الإسرائيلي بالحرب، ويساعده بعض اللبنانيين بالتسويق لها، حول ايام اللبنانيين الى "عرس" حقيقي اما اعين مئات الصحافيين الاتين من اصقاع الارض، وتحول القصر الجمهوري إلى واحة سلام احتضنت كل مكوّنات الدولة على تنوّعها الطائفي واختلافها السياسي والفكري، في مواجهة مساعي خصومه لعزله، وهو لن يفوت الفرصة، سيستفيد من زخم الزيارة لمحاولة التأسيس لمرحلة جديدة عنوانها الحرية، والكرامة، والسلام، والمساواة، اما سياسيا، فيمكن تفهم "غضب" من حاول التشويش على الحدث "بالعاب صبيانية"، لان مشروعه للفدرلة سقط الى غير رجعة، بمباركة من البابا الذي استمع "بفرح" الى الرئيس عون يتحدث عن فرادة لبنان الذي " اذا زالَ المسيحي سقطت معادلة الوطن وسقطت عدالتُها وإذا سقطَ المسلم اختلّت معادلة الوطن واختلّ اعتدالها والكل متساوون" في بلد واحد، وكرر الحبر الأعظم مفردات الرئيس خلال محطاته اللبنانية فدفنت أوهام البعض "مرة ولكل المرات".




















































